الثلاثاء , 12 يونيو 2018
الرئيسية / قضايا ساخنة / “وجه كالح للأزمة” تتابع قوافل الإغاثة نحو البلاد مما يفرز السؤال.. ما الذي يجعل من دولة كانت توصف بأنها سلة غذاء العالم تتحول إلى استقبال المواد الغذائية؟

“وجه كالح للأزمة” تتابع قوافل الإغاثة نحو البلاد مما يفرز السؤال.. ما الذي يجعل من دولة كانت توصف بأنها سلة غذاء العالم تتحول إلى استقبال المواد الغذائية؟

الخرطوم – الزين عثمان
كانت الجغرافية والموارد الطبيعية التي تمتلكها تجعل من التوصيف الموضوعي لأرض النيلين (سلة غذاء العالم)، البلاد التي يغنيها أن أبناءها متحزمون (حتى الطير يجيها جعان من أطراف تقيها شبع)، السودان أرض يستبعد الكثيرون أن يجوع شعبها، لذلك ما يزال الكثيرون وبعد ما يزيد عن القرن يتذكرون مجاعة سنة ستة في عهد الخليفة عبد الله التعايشي، الآن وبحسب وزير المالية الركابي، فإن الإشكاليات الاقتصادية تكبر مثل كرة الثلج ولا حلول تلوح في الأفق الذي بدا محتشداً بالإغاثات التي تهبط على السودان مما دفع البعض للتعليق قائلاً: (السودان سلة إغاثات العالم).
1
تنقل وكالة الأنباء السعودية (واس) أن توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بإيصال قافلة مساعدات إغاثية للسودان، القافلة التي هبطت أمس الأول في ميناء بورتسودان تم تخصيصها لولايتي البحر الأحمر وشمال كردفان، بالطبع ليست هي القافلة الأولى من ضمن عدد من قوافل الإغاثة التي باتت تهبط في السودان، بل إن وسائط التواصل الاجتماعي في الأيام الفائتة كانت تعج بصور المنتظرين للإغاثات من السودانيين، وهي عبارة عن مواد تموينية وغذائية تتعدد الأعلام بين الكويت والإمارات والسعودية وتركيا، بل إن الأمر تجاوز كل ذلك حين نقلت الصحف قبل أسبوعين اضطرار الشرطة لإطلاق النار في نيالا عقب تدافع مواطنين من أجل الحصول على الإغاثات القادمة لهم، وهي الصورة الأكثر تعبيراً لما آلت إليه الأوضاع في السودان في الوقت الراهن.
2
بالطبع ثمة اعتراضات كثيرة لسودانيين على ما يجري الآن، فهو لا يعدو سوى كونه عملية ترسم صورة مختلفة للسودان والسوداني في مخيلة الآخرين، وتجعل من دولة بكل هذه الإمكانيات مجرد مستقبل ومنتظر للإغاثات، بل إن سلوكاً يحط من قيم تضع السوداني نفسه وشعبه فيها ما زاد من ذلك الحراك الإسفيري المحموم لمن يقدمونها وهم يدشنون هاشتاق (هذه هي السعودية)، التي تدعم الآخرين، بالطبع فإن في الجانب الآخر من المعادلة يقف الآخرون الذين ينتظرون هذا الدعم في امتداد هذه البلاد التي كانت تنتظر القمح والتنمية، بالطبع فإن قوافل الإغاثة التي تأتي للبلاد تفرز أسئلتها حول ما الذي يملكه من يرسلها في مقابل ما يتوفر من إمكانيات لدى المستقبل؟
3
وجد الكثيرون أنفسهم يمضون في عقد مقارنة بين الدعم الذي وجدته الأردن في مؤتمر مكة الأخير من أجل تجاوز أزمتها الاقتصادية وبين ما يتم إرساله للسودان، يرى الكثيرون أن لجوء الدول الخليجية لبعث الإغاثات بشكل عيني ترى فيه حلاً جذرياً للأزمة السودانية، باعتبار أن الدعم السابق لم يسهم في إنهاء كبوة الاقتصاد السوداني، بل إنه من خلال العلاقة المباشرة يمكن لهذه الدول أن تتأكد من وصول الدعم لمستحقيه بعيداً عن حالات الفساد والصرف غير المرشد، وبعيداً عن الأولويات سابقاً، لدرجة أن من يأتي بالإغاثة يرسل معها من يقوم بتوزيعها أيضاً في ثنايا السخرية على ما يحدث في البلاد الآن من واقع اقتصادي متراجع، يقول البعض إن السودان ليس في حاجة لوديعة تساهم في علاج أزمته الاقتصادية البلاد في حاجة لمن يصرف عليها بشكل يومي.
4
بالنسبة للكثيرين فإن اعتبار البعض للسودان بأنه مستقبل جيد للإغاثة لا يمكن إخراجها من السياق العام الذي يعانيه اقتصاده في الوقت الراهن، ففي آخر ظهور له كان وزير المالية يؤكد على أنهم في الحكومة انتهجوا الطريق الصاح والخاطئ في سبيل تحصيل ودائع من العملة الحرة يمكنها المساهمة في معالجة اختلالات الموازنة، لكنهم فشلوا في ذلك وهو ما يعني أن الشعب على دين حكومته، لا انفصال بينهما، وأننا جميعاً في الأزمة شرق. بالطبع فإن ما يحدث الآن يدفع الكثيرين لعقد مقارنة بين سودانيين (سودان الزمان الفائت) الذي كان يملك زمام أمره دون أن يرهن مواقفه إلا لما يراه محققاً لتطلعات شعبه في الحياة بكرامة يستدعي البعض ما حدث في قمة اللاءات الثلاث، حين دعم الملك فيصل دول المواجهة من داخل الخرطوم، وحين سأل وزير الخارجية محمد أحمد المحجوب عما يريدونه في السودان، رد المحجوب: “نحنا بندي ما بناخد”. بالطبع الصورة امتداد لصور سابقة حين كان السودان يرسل الكسوة السنوية للكعبة من أراضي الممالك في دارفور وغيرها.
5
في سياق ذي صلة، فإن تقارير متخصصة تشير بشكل مخيف إلى أن ثمة فجوة غذايئة يمكن أن يشهدها السودان في مقبل المواعيد وتحدد أمكنة بعينها تقول إن أصحابها سيجدون أنفسهم في مواجهة الجوع ما لم يتم اتخاذ الإجراءات الخاصة بمواجهتها وتلافيها، الأمر لا يخرج من التحليلات التي تقول بإمكانية فشل الموسم الزراعي بسبب الأزمة في المواد البترولية وفي الجازولين بالتحديد، وهو ما يعني بالضرورة استمرار مثل هذه القوافل الإغاثية فيما يبقى السؤال الرئيسي هو المتعلق بمدى استمراريتها من توقفها ولأي مدى يمكن للسودانيين التعايش مع كونهم يستطعمون ما يأتيهم من الخارج، المشهد كان يعيد ما جرى في ثمانينيات القرن الماضي التوقيت الذي سماه السودانيون توقيت إغاثات ريغان، في إشارة للإغاثات الأمريكية في ذلك الوقت المفارقة أنه في تسعينيات القرن الماضي كان النشيد يخرج واضحاً ما (دائرين دقيق فينا قمحنا كتير بكفينا)، وهو ما يعني انتهاج أسلوب الاكتفاء الذاتي، وذلك عبر زيادة الإنتاج والإنتاجية، المفارقة أن باخرة للمعونة الأمريكية كانت قد هبطت الأسبوع الماضي في ميناء بورتسودان تحمل في جوفها أيضاً مواد غذايئة وذرة.
6
لكن يبقى السؤال الرئيس هو ذلك المتعلق بمن الذي أوصلنا لهذا الحد؟ يؤكد الكثيرون على أن ثمة تحولات كبيرة في المشهد السوداني وتغييرات اجتماعية أفرزت ظاهرة القبول والتعايش مع ظاهرة الإغاثات، بالطبع فإن الحرب ومعسكرات اللجوء وضعت اللبنة الأولى لهذا الأمر، لدرجة أن بعض المنظمات العاملة أصبحت تلجأ إلى خيار دفع الأموال في المعسكرات بدلاً من توفير المواد العينية مثل ما هو متعارف عليه، لكن تظل السياسات المتبعة وغياب الاستقرار السياسي الذي أفضى لضآلة عمليات الإنتاج هي أكبر العوامل المساهمة في تحول أي بلد إلى مجرد مستقبل لقوافل الإغاثة، فحين تتوقف عجلة الإنتاج ويتحول المواطنون لمجرد مستهلكين تكون هذه هي النتيجة.

شاهد أيضاً

“سلامة الركاب” حشدت الإدارة العامة للمرور قوة من “198” ضابطاً و”288″ ضابط صف وجندي ومشاركة “285” دورية و”29″ عربة إسعاف لتفويج المواطنين إلى ولاياتهم تحت شعار “عيد بلا أحزان”

الخرطوم – بخيتة زايد الجميع يتأهبون لاستقبال عيد الفطر في مقبل الأيام وكثيرون يعدون العدة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *