الأربعاء , 23 أغسطس 2017
الرئيسية / قضايا ساخنة / يقول وزير الثقافة إن الأنشطة الثقافية لا تتم حراستها بجهاز الأمن ولا بالجيش ولا بالدعم السريع إنما شرطية تسود فيها القيم المدنية “المشهد الملتبس”

يقول وزير الثقافة إن الأنشطة الثقافية لا تتم حراستها بجهاز الأمن ولا بالجيش ولا بالدعم السريع إنما شرطية تسود فيها القيم المدنية “المشهد الملتبس”

الخرطوم – الزين عثمان
كيف يبدو المشهد الثقافي السوداني؟ السؤال تضعه (خيمة الصحفيين) في مواجهة وزير الثقافة الاتحادي، الطيب حسن بدوي، الذي قاسمه الجلوس في المنصة راشد دياب التشكيلي الذي وضعه البعض في فترة قبل التشكيل الوزاري في ذات الوزارة.. دياب قال ليلتها: “لا شأن لي بالوزارة التي يحيطها التهميش، يكفيني أن أكون فناناً”. الثالث في ذات المنصة كان الشاعر عبد المنعم الكتيابي، بينما أمسكت بدفة النقاش المذيعة سلمى سيد والكل يلهث من أجل الإجابة على سؤال المشهد الثقافي السوداني، هل هو إيجابي أم أن الثقافة مثلها والأنشطة الأخرى في البلاد، غارقة في الفوضى وغائب عنها كل شيء؟
حاول الوزير رسم صورة وردية لواقع الثقافة في البلاد في مفتتح حديثه في الليلة، لكن سرعان ما تغيرت هذه الصورة مع مداخلات المشاركين الآخرين. بالنسبة للطيب فإن الأموال التي تصلهم لتسيير دفة الثقافة من وزارة المالية هي نسبة مقبولة مع تقدير الظروف العامة التي تعيش فيها البلاد والمطلوبات التي على المالية الالتزام بها. الوزير ينفي عن وزارته تهمة توصيفها بأنها وزارة مهمشة، ويرد ساخراً على توصيف راشد دياب (لو أنك أصبحت وزيراً للثقافة هل كان سيكون هذا هو توصيفك للواقع؟).. يتجاوز البدوي هذه النقطة وهو يعترف بأن وزارته لا تملك أي دار للعرض السينمائي في طول البلاد وعرضها، لكن يقول إن الأزمة لا يمكن تعليقها على رقبة الحكومة وحدها وإنما تتحمل المؤسسات الخاصة دورها في هذا التراجع في النشاط المتعلق بالسينماء. أيضاً هناك أزمة في صالات عرض النشاط التشكيلي، وهو ما يعود بشكل أو بآخر إلى أزمة تتعلق بالوعي العام، يقول: “أنا ورغم أني وزير حين افتتاحي لنشاط أو معرض تشكيلي كثيراً ما أتوقف مع الفنان، مطالباً بشرح مغازي لوحاته المعلقة في المعرض”. في حديثه يبشر الوزير بما يسميها ثورة في البنية التحتية في ما يتعلق بإقامة المؤسسات الثقافية، ويطالب في الوقت نفسه بضرورة نقل الأنشطة الثقافية من الخرطوم إلى الأقاليم وإن واحدة من الأزمات هي (خرطمة) الثقافة وجعلها مركزية، وعدم فتح الأبواب أمام المساهمات القادمة من الأطراف في سبيل إنجاز ثقافة سودانية تتسم بالشمولية ولا تقوم على إقصاء مجموعة أياً كانت.
لكن الأمر عند التشكيلي راشد دياب يبدو مختلفاً، فعضو آلية الحوار الوطني يقول إن المشكلة تبرز في شكل أساسي في محاولة حشر الثقافة في أبعاد ضيقة والنظر إليها باعتبارها مجرد نشاط ترويحي وفلكوري وغناء، وهو ما يتناقض مع المفهوم العام للثقافة التي يجب أن تقوم بدورها الطليعي في حث المجتمعات على الإنتاج، وهو البعد المفقود الآن في أسلوب التعاطي الرسمي معها من قبل القائمين على أمرها. فالأمر هنا يتجاوز منصة الوزير إلى منصات أخرى، يقول دياب إننا شعب محاط بالقبح العام في الجوانب كافة، بالتالي، فإن عملية إنتاج فعل ثقافي في ظل سيادة هذا القبح يبدو وكأنه حرث في البحر. تقوم رؤية دياب في إدارة الثقافة على ضرورة عدم التركيز على إبراز التنوع الثقافي لصالح إبراز التنوع في إدارة الشأن الثقافي من خلال حشد كل المبدعين في المجالات كافة.
في مداخلته كان يشير الأستاذ عبد المنعم الكتيابي إلى نقطة رئيسة تتعلق بتعظيم ما هو سياسي على حساب ما هو ثقافي، ومحاولة الربط بين الثقافة والسياسة في فعل جانبه الرشد.. يشير بشكل رئيس إلى التأثيرات التي أفرزتها المحاولات المكررة لتطبيق المشروع الحضاري ذي الطبيعة الأحادية والذي قضى بدوره على الأخضر واليابس، وصرنا بالفعل مستهلكين للأفعال الثقافية التي ينتجها الآخرون دون أن يكون لنا سهم يعبر عن رؤانا وتطلعاتنا كسودانيين، ويشير أيضاً إلى سيادة الثقافة ذات البعد الحكومي على الثقافة الشعبية. كل هذه العوامل مؤكد أنتجت هذا التراجع في الفعل الثقافي العام. ويتناول الكتيابي نقطة رئيسة تتعلق بامتداد أيادي السياسة وقوانينها إلى ما يجري من فعل ثقافي حين يقول إن إقامة نشاط تتطلب الحصول على تصاديق تستخدم فيها حروف أكثر من تلك التي يستخدمها كتّاب القصة القصيرة، تصديقات من النظام العام ومن الجنائيات تشير إلى أن من يمارس الثقافة في هذه البلاد، كما لو أنه يقوم بعمل جنائي يتطلب المراقبة والمتابعة .
بالنسبة للوزارة فإن واقع المبدعين السودانيين لا يمكن فصله عن السياق العام للواقع السوداني المرتبط بالتراجع الاقتصادي العام في البلاد، وهو يلقي بظلاله على هذه الفئة. يقول الوزير في ثنايا دفاعه عن سياسات حكومته: “إننا في حاجة أولاً لإعادة تعريف المبدع في سبيل السعي لتقديم الدعم”، لكنه يقول إن سياسات الدولة الآن وعبر برامجها تقوم بتقديم الخدمات للمبدعين وفي مختلف المجالات، وهذا الأمر تقوم به مؤسسة الرئاسة وبشكل دوري.
يقول الوزير إنه من الداعمين لمشروع تثقيف السياسة على حساب تسييس الثقافة، وفي ما يتعلق بالأنشطة التي يرى البعض أنها ممارسات رقابية، فهي إجراءات تأتي في إطار مدني من أجل حماية الأنشطة والفعاليات التي يتم تنفيذها، وهي أنشطة تتعلق بجوانب شرطية تسود فيها القيم المدنية على حساب القيم السلطوية الأخرى، فالأنشطة لا تتم حراستها بجهاز الأمن ولا بالجيش ولا بالدعم السريع؛ فالقانون يجب أن يأخذ مجراه وينظم كافة الأنشطة، لا يترك هذه النقطة دون أن يضيف وزير الثقافة نقطة أخرى تتعلق بغياب فلسفة قبول الآخر لدى المثقفين السودانيين، ومجموع النزاعات في ما بينهم حين يؤكد على أن اتحادات الأدباء السودانيين تنقل نزاعاتهم حول الشرعية إلى منصة اتحاد الأدباء العرب، وهو أمر يدفع فاتورته في الآخر الوطن، وينفي نظرية محلية الثقافة السودانية حين يشير إلى الترجمات التي تمت لأعمال الراحل الطيب صالح، ويضيف أن أنشودة (في حماك ربنا) تردد في الدول الأفريقية.

شاهد أيضاً

“زيادة منتظرة” مشهد الازدحام أمام المخابز يشبه ما حدث قبل عام حين انتهت الأزمة بأن صارت الرغيفتان بجنيه بدلاً من ثلاث.. فهل يتكرر المشهد لتصبح “الرغيفة” مقابل الجنيه؟

الخرطوم – الزين عثمان واقفاً في الصف الذي يمضي ببطء منتظراً لحظة انتصاره بالوصول إلى …