الثلاثاء , 17 يوليو 2018
الرئيسية / دنيا / “سحر الفن السابع” من “استوديوهات يونيفيرسال” العريقة ومسرح “العودة إلى المستقبل” إلى “جزيرة أميتي” وحكايات العم “كبسون” وإبداعات ملك الروك آند رول “أرفس برجلي” والعديد من ذكريات سينمائية خالدة!

“سحر الفن السابع” من “استوديوهات يونيفيرسال” العريقة ومسرح “العودة إلى المستقبل” إلى “جزيرة أميتي” وحكايات العم “كبسون” وإبداعات ملك الروك آند رول “أرفس برجلي” والعديد من ذكريات سينمائية خالدة!

الخرطوم – زين العابدين الحجّاز
تُعد السينما من الروافد الأساسية للثقافة بالنسبة لجيلنا، كنا نهتم بالأفلام المصرية والأمريكية وغيرها، وكل ما يكتب عنها في الصحف والمجلات، ونحفظ أسماء الممثلين وحتى أسماءهم في الأدوار التي كانوا يؤدونها في أفلامهم، وهكذا كان الاهتمام لذلك كانت ثقافتنا السينمائية عالية جدا. كنت وزميل لي سعودي في رحلة عمل في مدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا الأمريكية العام 93 قمنا خلالها بزيارة لهوليوود وبالتحديد لـ (استوديوهات يونيفيرسال) العريقة. قضينا فيها يوما كاملا ووقفنا على الكثير من فنون صناعة الأفلام. طفنا على بعض المواقع داخل الاستديوهات وهي مواقع معروفة لدينا من أفلام، كنا قد شاهدناها في أيامنا الخوالي في سينمات أم درمان على سبيل المثال (فندق بيتس) الذي تمّ فيه تصوير مشاهد فيلم (سايكو) بطولة (انتوني بيركنز) وإخراج (الفريد هيتشكوك) الفيلم الذي شاهدناه في سينما الوطنية أم درمان منتصف الستينيات. نفس الفندق بنفس محتوياته لا يزال موجوداً إلى الآن كمعلم سياحي ثقافي، وأيضا تعرّفنا بالبيان والعمل على الأسلوب الذي اتّبعه (هيتشكوك) في تنفيذ ذلك المشهد الفظيع الذي قام فيه (نورمان بيتس) بقتل تلك الفتاة بالسكّين من خلف ستارة الحمّام في نفس الفيلم. هذا المشهد يُعد من ضمن العلامات المميزة في تاريخ فن الإخراج السينمائي. دخلنا أيضا مسرح (العودة إلى المستقبل)، وهو عبارة عن مسرح مصغّر في شكل مركبة فضائية تشبيهية. جلسنا على الكراسي وأُطفئت الأنوار وانطلقت بنا المركبة إلى الفضاء بسرعة مذهلة، وهي تطوف بنا بين الكواكب والمجرّات بسرعة مذهلة حبست أنفاسنا ثم عادت وهبطت بنا على كوكب الأرض. ذلك كان مشهداً من الفيلم المشهور (العودة إلى المستقبل)، متمثلاً في تلك الرحلة غير المقصودة التي سافر فيها الفتى المراهق (مارتي) عبر الزمن إلى الماضي، ثم عاد مسرعا إلى المستقبل الذي يمثل حاضره من حيث بدأ رحلته. حضرنا مشهدا حيّا من المسلسل التلفزيوني (رذيلة ميامي)، وحظيت بصورة تذكارية مع بطليه (سوني) و(ريكو). في نهاية الزيارة أخذونا على متن قارب في جولة داخل البحيرة التي تمّ فيها تصوير بعض مشاهد الفيلم المثير (الفك المفترس) الذي تجلّت فيه مقدرات المخرج (ستيفن سبيلبيرغ) الإبداعية. فجأة وفي منتصف الجولة وبدون مقدمات نطّت علينا من تحت الماء سمكة ضخمة جدا وبدأت في الهجوم على القارب وسط صراخ وتشنجات الركاب. كانت تلك نفس سمكة القرش التي استخدمت في الفيلم لافتراس ضحاياها من مصطافي شاطئ (جزيرة أميتي). كادت الحيلة أن تنطلي علينا لولا أن استدركنا المرشد السياحي على السريع مع الإيضاح بأنها كانت – والحمدلله – سمكة من بلاستيك!! في إحدى المرات كنت أنا ورفيقي السعودي نتناول طعام العشاء في أحد المطاعم في مدينة لوس أنجلوس ليس بعيدا عن هوليوود، ولفتت نظري بعض الصور بالأبيض والأسود معلّقة على جدران صالة المطعم وهي لممثلين أمريكان وبدأت في ترديد أسمائهم بصوت مسموع.. (همفرى بوجارد).. (الان لاد).. (كاري جرانت).. (راندولف سكوت).. (آفا جاردنر).. وكان يقف بجانب طاولتنا مدير صالة المطعم الذي بادرني معلقاً: “يبدو أنك يا سيدي من العاملين أو الباحثين في مجال صناعة الأفلام السينمائية”، وعندما أجبته بالنفي استغرب، وقال لي: “أنا من مواليد لوس أنجلوس وأعمل في هذا المطعم منذ ست سنوات وأشاهد هذه الصور يوميا تقريبا.. نعم أعرف أنهم من قدامى الممثلين، لكنني لا أعرفهم بالأسماء كما ذكرتهم”، ولم يعرف صاحبنا في حينه أنني من قدامى خريجي سينمات برامبل والوطنية وكوليزيوم!
في العام 1969 قدمت السينما اليونانية واحدا من أعظم الأفلام التي شغلت جمهور ونقّاد السينما في العالم، وهو فيلم (زد) الذي تناول في مضمونه عصر الصراع الأيديولوجي والانتفاضات الشبابية والطلابية الغاضبة التي كانت قد بلغت ذروتها عام 1968 في خضم اشتعال الحرب في فيتنام. ألّف موسيقى الفيلم (ميكس ثيودوراكيس) الموسيقار الثائر المناضل ضد جبروت الحكم الديكتاتوري في اليونان، الذي ألّف أيضا موسيقى الفيلم الشهير (زوربا اليوناني). في العام 1970 ونسبة لمتابعة السودانيين اللصيقة للمستجدات التي تطرأ على الساحة السينمائية من أفلام متميزة وبالحماسة الثورية التي كانت تمور بها نفوسهم يومها، قدمت حكومة مايو دعوة للموسيقار (ميكس ثيودوراكس) لزيارة السودان، وقام وزير الشباب والرياضة والشؤون الاجتماعية الدكتور منصور خالد باصطحابه إلى سينما كوليزيوم لمشاهدة فيلم (زد). كانت تلك أمسية ولا كل الأمسيات.. جمهور غفير إصطف منذ وقت باكر أمام سينما كوليزيوم لحضور الفيلم. كان الحضور على غير العادة كثيفا ولافتا للأنظار، وبعد انتهاء العرض تدافع الجمهور وحمل (ثيودوراكيس) على الأعناق كبطل فاتح. تعطّلت الحركة في شارع القصر، وكان (ثيودوراكيس) مذهولا ومشدوها بهذا الفيض من المشاعر وغير مصدق لما يحدث وكان التأثير واضحا على وجهه.
قبل أن تظهر سينما قصر الصداقة وسينما قصر الشباب والأطفال، كانت جميع السينمات في السودان مكشوفة ومقسّمة في الغالب إلى ثلاث مساحات أو درجات تفصل بينهم حواجز، ولكل درجة شباك لبيع التذاكر، ومداخل ومخارج خاصة بها. الدرجة الأولى (اللوج) وتشمل بلكونة للعوائل وتحتّل مكانا مرتفعا أمام غرفة العرض تليها الدرجة الثانية (لوج النص) أقل ارتفاعا ثم الدرجة الثالثة (العمومي أو الشعب) على المستوى الأرضي للساحة، وأمام شاشة العرض مباشرة. لكل درجة فئة اجتماعية معينة من الرواد وفئة تذاكر دخول تتناسب معها اجتماعيا وماديا. أحيانا يكون الإقبال عاليا وتتكاثر أعداد الجمهور وتستطيل صفوف الدخول وتخيّم عليها الفوضى ووجود رجل الشرطة يصير أمرا ضروريا لتفادي تلك الفوضى وتنظيم عملية الدخول خصوصا للدرجة الثالثة (الشعب) مستعينا باليقظة والشدّة وبـ (الكرباج)، أحيانا، منهم على ما أذكر الأمباشي (عبدالله بون) في سينما برامبل وفي سينما الوطنية الأمباشي (سيد أحمد) الشايقي الصارم الظريف الذي لا يجد حرجا أحيانا في غض الطرف عن بعض المتسللين إلى صف الدخول من أحبائه ومعارفه. كثيرا ما يقوم بعض العتاولة الأمدرمانيين المشهورين في درجة الشعب بمساعدة الشرطي لحفظ النظام، ومن أشهرهم (منقزة) و(محمد عثمان) و(طلب) و(عتبة) أيضا في برامبل والوطنية. في مثل تلك الحالات تنفد كمية التذاكر وتغلق شبابيك البيع وتنشط عملية بيع التذاكر في السوق السوداء أمام بوبات الدخول بواسطة بعض المشهورين من شاكلة (سيد صربندي) الأطرش و(يوسف الحلبي)، مرددا بصوت عال “خمسة صاغ.. خمسة صاغ” ثمنا لبيع التذكرة التي اشتراها بصورة أو أخرى بنصف ذلك السعر. يعرض الفيلم عادة مرتين في الليلة. يبدأ الدور الأول في الساعة السابعة وينتهي في الساعة التاسعة، ثم يبدأ الدور الثاني في الساعة العاشرة وينتهي في الساعة الثانية عشرة. قبل بداية العرض يستمتع الجمهور بسماع الأغاني المصرية والهندية وغيرها، ثم تتوقف وتطفأ الأنوار إيذانا ببداية عرض الفقرة الأولى (المناظر)، وهي عبارة عن شريط أخباري وشريط إعلانات تجارية، وآخر يعلن عن الأفلام التي ستعرض خلال الأسبوع القادم أو قريبا. تنتهي هذه الفقرة وتطفأ الأنوار وتبدأ الاستراحة لمدة عشر دقائق، ثم تتوقف الأغاني، ويعم الظلام. الفنّي (عثمان علي حسن) ابن حي المسالمة يرسل الشعاع من غرفة العرض، عابرا سماء الساحة، وساقطا على الشاشة العملاقة، ليعكس لنا بداية أحداث الفيلم الذي قد ترقبناه أياما طوالا. جو الألواج يسوده الهدوء إلا من همسات هنا وهناك يتخللها صوت قرعات مفتاح الزجاجات على الصندوق الخشبي المليء بقوارير مشروب البيبسي كولا البارد إعلانا مهذبا بدون كلام من البائع المتجول للعطاشى والراغبين في الانتعاش. العم (خميس كبسون) كان من مرتادي اللوج المشهورين.. رجل فارع الطول من أصول جنوبية يغادر منزله في العباسية متجها إلى السينما في الخرطوم أو أم درمان، ممتطيا دراجته التي رفع سرجها إلى أعلى مستوى، لكي تستوعب طوله الخرافي ولابسا بدلته الرمادية وبنطلونه الأبيض وحذاءه الأسود وتلك (الكسكيتة) الرمادية التي لا تفارق رأسه إلا عند بداية الفيلم ثم تعود إلى مكانها بعد انتهائه ومغادرته عائدا إلى العباسية. اعتاد العم (كبسون) أن يجلس في البلكونة اليسرى في سينما الوطنية، ويجلس في الصف الأول على كرسي اختص به ويسند كتفه على حائط غرفة العرض، وعندما يجلس أحد الغرباء في مكانه يقف صامتا بالقرب منه، ويتكفّل الآخرون بإخبار ذلك الشخص بإخلاء المقعد للعم (كبسون). أما الدرجة العمومية (الشعب) فلها جو متفرد.. أصوات عالية وونسات مسموعة ومشاكسات خصوصا من أصحاب الصف الأول، وما أدراك ما أصحاب الصف الأول. هم شخصيات معروفة يرتادون السينما يوميا ليس لمشاهدة الفيلم ولكن لهم فيها مآرب أخرى.. غمزات ونكات وضحكات مجلجلة و(مكيفات) سائلة وجافة وغيرها. كانت تقام حفلات غنائية ساهرة داخل السينما على مسطبة الشاشة يحييها بعض الفنانين الكبار. يتم إلغاء عرض الدور الثاني، وتبدأ الحفلة من الساعة العاشرة إلى ما بعد منتصف الليل وتحدد أسعار الدخول حسب الدرجات. الإعلان عن الأفلام يتم داخل السينما خلال عرض الفقرة الأولى (المناظر)، كما ذكرت، إلى جانب الإعلان في الصحف اليومية بالإضافة إلى الإعلان المتحرك وهو عبارة عن لوحة مربعة عليها ملصق الفيلم توضع على عربة كارو تجوب الشوارع والأسواق، يقف عليها شخص ينادي بصوت جهور من خلال بوق حديدي، معلنا اسم الفيلم وأبطاله وجمل قصيرة من وحي إبداعه تصف موضوع الفيلم. أحيانا ينسى المعلن اسم الفيلم كما حدث ذات مرة مع يوسف الحلبي عندما أعلن بالبوق: “الليلة ولأول مرة في السودان على شاشة سينما برمبل حتشوفو فيلم… حتشوفو فيلم… (لا حول ولا قوة إلا بالله)”. عمنا يوسف تحوقل عندما نسي اسم الفيلم، ولكنها كانت حوقلة بصوت عال، والناس افتكروا أن اسم الفيلم (لا حول ولا قوة إلا بالله). ومرة كان يعلن عن فيلم (طريق الشيطان) لكنه نسي الاسم وصاح فيلم (طريق إبليس).. هنا افتكر (يوسف الحلبي) لم يشطح بعيدا. المعلن عمنا (فرع القرض) مرة غلط في نطق اسم بطل الفيلم وصاح: “والفيلم بطولة (أرفس برجلي)” قاصدا المغني الأمريكي (الفيس بريسلي).. بعدها صرنا نميل طربا ونرفس برجولنا عند سماعنا لأغاني ملك الروك آند رول (الفيس بريسلي)..

شاهد أيضاً

مساوئ مشروع المياه.. بدلا من التحصيل الأكاديمى ينهمك طلاب مدرسة أساس في القضارف في ردم حفرة ضخمة بسبب عجز المسؤولين عن طمرها

القضارف – حسن محمد علي تغلغل مشروع مياه القضارف في أعماق الأوساط الاجتماعية، ليس بما …