الثلاثاء , 13 مارس 2018
الرئيسية / دنيا / “البدو في السودان” يعيشون على هامش الحياة فلا يحملون أرقاماً يمكن أن تزيد عدد السكان بميلاد أحدهم ولا ينقصون بسبب موته أيضاً

“البدو في السودان” يعيشون على هامش الحياة فلا يحملون أرقاماً يمكن أن تزيد عدد السكان بميلاد أحدهم ولا ينقصون بسبب موته أيضاً

ود عشانا – محمد عبد الباقي
المرحومة (آمنه عبدالله) – تغمدها الله – هذا اسمها المستعار، قضت نحو عشرة أعوام تبحث عن وسيلة تستخرج بها أوراقاً ثبوتية لنفسها لتتمكن من الذهاب لأداء فريضة الحج، فلم تستطع إلى أن وافتها المنية، وهي ما بين عجزها عن استخراج أوراقها الثبوتية وحلمها بالحج لبيت الله الحرام!.
ليست المرحومة (آمنة عبد الله) وحدها من ظلت تحلم بالحصول على أوراق ثبوتية إلى أن فارقت الحياة كما دخلتها بلا هوية، كلا، الأمثلة عديدة يمكن إيرادها هنا للتأكيد على عدم استطاعت قطاع واسع من البدو في أماكن شتى وفي ولاية كردفان الكبرى على وجه الخصوص يحملون صفة (بدون) بصورة غير رسمية – أي باختيارهم – لا لسبب رسمي يمنعهم، غير أنهم يولدون وينشأون في بيئة لا تتوفر فيها مثل هذه الخدمات مطلقاً.
بدون على طريقتهم
(بدون) صفة لمواطنين وُلدوا وترعرعوا في بلدان بعينها، لكن لا يحق لهم الحصول على جنسيتها أو التمتع بحقوق المواطنة الكاملة بنص قانون تلك البلدان، وهي أكثر من دولة عربية، وبما أن القانون يمنع أولئك ويحرمهم من حقوقهم، فإن القانون في السودان لا يفعل ذلك، إلا أن المواطنين يحرمون أنفسهم من الحصول على الأوراق الثبوتية لأسباب نفصل فيها لاحقاً بشهادات وأسماء تارة نوردها حقيقة، وتارة أخرى نرمز لها بأخرى مستعارة لرغبة أصحابها.
زيادة ملحوظة
تكثر ظاهرة (بدون) التي لا تسمى هناك بهذا الاسم في المناطق الريفية عامة، وتزداد بصورة ملحوظة لدى البدو الرُّحل الذين إن كانوا يملكون الحق الكامل باستخراج شهادات ميلاد ووفاة وبقية الأوراق، لكنهم يفضلون الحياة (بدون) هذه الأوراق التي ترتبط في أذهانهم بالخدمات والمعاملات الرسمية، وهم لا يتوفر لهم أي نوع من تلك الخدمات، وليست لديهم تعاملات رسمية يجرونها مع جهات اعتبارية تطلب من أحدهم إثبات هويته، هكذا يولد الإنسان ويترعرع دون أي أوراق رسمية وعندما تجبره الحاجة لاستخراجها قد لا يجد من المقربين منه أو من عشيرته من يحمل بدوره أوراقاً ثبوتية ليشهد له أمام الجهات المختصة.
ولادة على هامش الحياة
عدم حاجتهم للأوراق الثبوتية في مراحل عمرية معينة، أكسبتهم ثقافة رفضها والنظر إليها بأن ليست لها أهمية، ولهذا ليست لهم شهادات ميلاد لأنهم لا يذهبون إلى المدارس، وليست لهم جوازات سفر، لأنهم لا يسافرون خارج السودان، ولا يملكون بطاقات شخصية ولا رخصة قيادة، لأنهم لا يتعاملون مع البنوك مثلاً، وأيضاً لم تكن لديهم سيارات في السابق تضطرهم لاستخراج رخصة لقيادتها، فهم يولدون ويموتون على هامش الحياة فلا يحملون أرقاماً يمكن أن تزيد عدد السكان بميلاد أحدهم ولا ينقصون بسبب موته أيضاً، هم (بدون) ولا تأثير لحامل هذه الصفة ولو كانت اختيارية، ولكنه يتعرض للكثير من المصاعب كما حدث لـ (موسى أبو نويرة)، هذا اسمه الحقيقي، و(أبو نويرة) تشبه مأساته ما حدث لـ (آمنة عبد الله) التي أشرنا لها عاليه، فعندما تقدم به العمر أراد أن يحج بيت الله، لكن حين شرع في استخراج أوراقا ثبوتية ظل يركض خلفها إلى أن فقد البصر، ففقد الأمل في الحج ورضي بالنية الواصلة.
لا أمل ولا رجاء
(الطيب فضل السيد) تجاوز السبعين من عمره، ولا يحمل من يثبت سودانيته غير سمرته التي أنضجها حر كردفان، يطمع بنسبة قليلة في استخراج أوراق ثبوتية ليقينه أنها لا تفيده بعد هذا العمر شيئاً، فهو لا يرجو معاشاً يناله بعد التقاعد، ولا منزل يسجل باسمه، وليست لديه إمكانيات مادية تدفعه للتفكير في الحج، وهي أمنية أولى، تولد وتموت مع سكان البادية، (الطيب) الذي مر على زواجه نحو ستين عاماً، لا يملك قسيمة زواج كغيره من عشيرته، فهو يرى أنه لا يحتاج لإثبات ليعيش ما تبقى له من سنوات لا يتجاوز عددها أصابع اليدين على أحسن الأحوال، عليه يقضي عمره ضمن المئات من بني جنسه يحملون صفة (بدون) التي تستشري بنسبة كبيرة في أوساط البدو والقرويين، وهذا أمر محزن ويحتاج لعلاج ناجع – بحسب توصيف (أحمد محمد على) أستاذ بمرحلة الأساس بمحلية أم روابة – الذي يرى أن عزوف المواطنين من طبقة بعينها عن الحصول على الأوراق الثبوتية مرده إلى ثقافتهم والبيئة التي يعيشون فيها، وحتى تتم معالجة هذه القضية بصورة جذرية يحتاج هؤلاء لتثقيف وتوعية بضرورة الأوراق الثبوتية للنساء والرجال على حدٍّ سواء.

شاهد أيضاً

مع منير شريف.. طموحي قادني لقناة الجزيرة.. ترجمت خبراتي في المونتاج والصوت للعمل الإخراجي

الخرطوم – السموأل محمد يوسف يمتاز الكادر الإعلامي السوداني بالموهبة الإبداعية العالية وسهولة التناول وتنوع …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *