الإثنين , 16 يوليو 2018
الرئيسية / تحقيقات / “الثروة المهملة” يعدد خبراء ومستثمرون في مجال الاستزراع السمكي جملة من المشكلات التي تواجه عملهم في مقدمتها عدم اهتمام الدولة بالقطاع (الحلقة الأولى)

“الثروة المهملة” يعدد خبراء ومستثمرون في مجال الاستزراع السمكي جملة من المشكلات التي تواجه عملهم في مقدمتها عدم اهتمام الدولة بالقطاع (الحلقة الأولى)

الخرطوم ـ امتنان الرضي
رغم أن تجربة الاستزراع السمكي انطلقت منذ سنوات فى السودان إلا أن الناظر إلى التجربة وتطبيقها على أرض الواقع يجد كثيرا من المشاكل التي تعوق نجاحها وتطورها، كما أن هناك الكثير من التجاوزات التي تحدث في القطاع برمته، وكشف منتجون في المجال لـ(اليوم التالي) عن جملة من المعوقات تواجههم. في مقدمتها ارتفاع أسعار الأعلاف وندرة (الزريعة) ويقصد بها الأسماك الصغيرة، وعدم وجود تدريب كاف وندرة المختصين، وأوضح خبراء في القطاع أن أغلب المنتجين لا يستندون على النواحي العلمية في مشاريعهم الأمر الذي يجعلهم يفقدون كثيرا من الإنتاج وذلك بدوره يعوق عدم النهوض بقطاع الثروة السمكية ككل. إضافة لتقصير الدولة في هذا الجانب.
مهددات الاستزراع
يوضح (لطفي علي) المختص في مجال الاستزراع السمكي لـ(اليوم التالي) أن عملية الاستزراع تقوم على محاكاة الطبيعة بتوفير ظروف طبيعية (كالتحكم في التربة وكمية المياه في التغذية) وغيرها من الظروف لضمان نجاح عملية الاستزراع، وأضاف لطفي أن النوع السائد في الاستزراع (البلطي والقرموط) وذكر لطفي بعض المهددات التي تعترض مسيرة الاستزراع السمكي مثل المفترسات.
وفي ذات المنحى تقول حسناء رزق الله (صاحبة مزرعة استزراع سمكي) إن المشاكل التي تواجه الاستزراع السمكي كثيرة أهمها ارتفاع أسعار العلف، وآفة الطيور والسرقات التي تمارس على أحواض الأسماك الصغيرة. وأردفت حسناء: هناك بعض الذين يجرون بحوثا علمية في مزراعنا يفقدون بحوثهم نسبة لبعض الأضرار التي تحدث عند عملية رش المزارع، وشكت من عملية الرش بالمبيدات التي تحدث أحيانا للأحواض الموجودة بها الزريعة، وقالت إن الجهة التي تقوم بعملية الرش لا تأخذ منهم الإذن بذلك ولا تتشاور مع صاحب المزرعة، بل إنهم يقومون برش الأحواض بدل المصارف مما يحدث أضرارا كبيرة للأسماك والطيور.
وأوضحت (ميسون) التي تعمل في إحدى المزارع في بحيرة خشم القربة، أنهم يعانون من بعد المحطة عن البحيرة.
عدم وجود مفرخات
وشكا منتجون في مجال الاستزراع السمكي لـ(اليوم التالي) من مضاربات تحدث في السوق لعدم وجود جهة تحميهم من جشع السماسرة الذين يستفيدون أكثر منهم، وزادت (حسناء): نحن في المزرعة نقوم بتصنيع العلف من الأمباز والردة بالرغم من دعم منظمة الفاو للمزراع.
عبد الله ناصر مدير مركز بحوث الأسماك في منطقة الشجرة بالخرطوم، أقر بمعوقات تواجههم في إيجاد الزريعة (الأسماك الصغيرة) وقال: لا توجد أنواع جيدة منها وكل هذه الزريعة الموجودة تأتي من النيل. وشكا ناصر من عدم وجود مفرخات (فقاسات) وإن وجدت فإنها لا تكون بالمواصفات المطلوبة، إضافة إلى عدم وجود الأعلاف بأسعار مناسبة، وإن وجدت فإنها لا تكون بالكمية المطلوبة، وأضاف: لا توجد دراسات لكل ما ذكرت.
أفكار مستنسخة
أكد ناصر أنه لا توجد مزارع نموذجية يقتدى بها وفسر: “بمعنى انه ليست هناك أفكار صحيحة للاستزراع السمكي لأن الفكرة الحالية مستنسخة بأخطائها فأغلب المزارع الموجودة الآن فيها كثير من مظاهر التدهور والمشكلات”.
وأشار ناصر إلى قلة الكادر البشري لتحسين هذه المزارع إضافة إلى عدم توفر تدريب كاف ومختصين، وأضاف: حتى المتخصصين منهم ليس تخصصهم دقيقا سواء في التغذية أو التربية وقال إن القطاع الخاص في أغلب الأوقات لا يستصحب مختصين بل إن عمله أقرب إلى التجريب (شغل السوق).
محدودية الخبرات
وفي السياق أضاف نائب مدير مركز البحوث عمار عثمان أن الزريعة (الأسماك الصغيرة) من أهم مشاكل عملية الاستزراع السمكي إذ يتم أخذها من النيل مباشرة لتربيتها لاستخراج وانتخاب أحسن الأنواع وقال عمار: يجب أن يقوم صاحب المزرعة بتربية الزريعة ليظهر قدرة النمو والنواحي الإيجابية في هذه العملية في تحمل الأمراض أو تقلبات المناخ، وأشار عثمان إلى أن السمك المستزرع في فترة الصيف يتعرض للمعاناة بسبب نقص نسبة الأوكسجين في المياه مما يعرض المزارع لخسارة كبيرة إذا لم تكن هناك عملية اختيار للأسماك الصغيرة.
وألمح عثمان إلى أن هنالك أوجه شبه كبيرة بين قطاعي الأسماك والدواجن خاصة في ما يخص الظروف الطبيعية مما ينعكس على أسعار المنتجات كما ينعكس في التلف الذي قد يحدث.
وأوضح أن عملية الاستزراع تعاني من محدودية الخبرة السودانية نسبة لحداثة التجربة في البلاد، وإن وجدت المعرفة بها فمن الصعب إنزالها على أرض الواقع لأن الظروف تختلف من دولة لأخرى.
انعدام الإرشاد
وأضاف: نحن كمركز بحوث لا نقوم بأي دور، لأن عملية الإرشاد لا تتوفر كما ينبغي وهي عملية تدخل في أي عمل لضمان نجاحه، ولعدم اهتمام الدولة بالإرشاد وعدم توفر الإمكانيات وضعف البحث العلمي وعدم توجيه البحث العلمي في اتجاه محدد كما أنه لا توجد استراتيجية واضحة للبحث تركز على مشكلات معينة في السودان. ووصف حالة الاستزراع في البلاد بأنها (مازالت جنينية). وقال إن مشروع الاستزراع استثماري بحت وهناك رسوم تفرض عليه بدءا من تصديق المزرعة هذا غير الاعتبارات الصحية والهندسية والاجتماعية.
وكشف عن عدم وجود ميزانية للإرشاد، مما يزيد من عشوائية المشروع وذكر أن غلاء الأعلاف من المشاكل الأساسية لهم وبين أن العلف يتكون من (الأمباز وردّة القمح) هذا إضافة إلى تكلفة العمالة وتكلفة التصنيع وقلة العلف وأسعاره المرتفعة مما يزيد سعر المنتج أو السمك ويقع ذلك على المستهلك.
مشكلة المصائد
وقال عثمان إن المخلفات الزراعية التي يمكن الاستفادة منها في عملية الاستزراع تواجه بُعد مناطق الإنتاج عن المزراع إضافة إلى تكلفة ترحيلها والجبايات المفروضة عليها بدءا من طريق نقلها والزكاة والضرائب وغير ذلك واقترح أن تدعم المزراع من البنوك ليسهم ذلك في إنجاح المشروع.
وعدد عثمان مشاكل أخرى تواجه قطاع الاستزراع السمكي منها عدم تنوع المنتجين لنقل الخبرات فيما بينهم والحصول على المعلومات الإرشادية سواء في جانب الدورات التدريبية أو الإعانات أو التمويل. وقال عثمان: هناك مشكلة أخرى في المصايد تكمن في أنها لا يمكن فصلها.
غلاء الأعلاف
أضاف المجتبى الخير لـ(اليوم التالي) أن عملية الاستزراع السمكي تعاني من غلاء العلف وتفتقد لعملية التغذية السليمة وقال إن طن العلف لا يكفي حتى لمزرعة واحدة. كما أن هنالك مشاكل في فرز الأسماك وكمية الأنواع التي تنتج في المزرعة، وأشار الخير إلى عدم وجود كفاءات تشرف على عملية التوالد (التكاثر العشوائي) بين الذكر والأنثى.
ضعف التمويل
وأشار إلى أن هناك مشكلة في الزريعة من حيث المصدر الموثوق منه، وأوضح أن الأسماك حتى تصبح صالحة للبيع يتطلب ذلك وجودها في أقفاص الاستزراع لأربعة أشهر، وشكا الخير من المستثمرين وقال إنهم يواجهون نقص الآلات والتقنيات والإرشاد والخبرات.
وكشف مجتبى عن ضعف التمويل وقال إن المحطات في كل الولايات بما فيها ولاية الخرطوم تعاني من ضعف التمويل، وأغلب المحطات تعمل بـ(سد الرمق)، وذكر المجتبى لـ(اليوم التالي) أن كل ولاية فيها إدارة متخصصة لقسم الأسماك وبين طنين من العلف تقوم بإنتاج طن واحد فقط من الأسماك.
تقصير الدولة
ياسين مبارك علي رئيس قسم المفرخات السمكية بإدارة الأسماك التابعة لوزراة الثروة الحيوانية، ذكر لـ(اليوم التالي) أن لديهم مفرخا لإنتاج الزريعة المحسنة، وبرر غلاء العلف بعدم تدخل الدولة في زيادات تعرفة الكهرباء للقطاع الصناعي. وأضاف: بما أن الاستزراع أحد مشاريع تنمية الاقتصاد يجب أن يجد دعما وتمويلا من الدولة. وأشار إلى أن طن العلف يفوق سعره 9000 جنيه ولا يكفي للمزرعة كما أن الاستهلاك يزيد حسب المساحة. وبين أن سعر طن السمك يرتفع بالمقابل أيضا بالرغم من دعم منظمة الفاو التحسين الوراثي للسمك البلطي الذي يطلب كثيرا للتصدير.
وبين أنهم كإدارة أسماك مسؤوليتهم الاهتمام بتطوير الإنتاج والتدريب وتعزيز استخدام التقنيات في كل ولايات السودان.
استغلال الترد والحفائر
وقال إنهم كجزء من مهامهم قاموا بعمل مسح في ولايتي الخرطوم والجزيرة لمعرفة المشاكل، التي تواجه القطاع وأبان يس أنهم الآن لديهم تصديق لاثنين من المفرخات، بولايتي نهر النيل وكسلا وأن هناك مفرخا حكوميا لولاية الجزيرة.
تحدث يس عن الجوانب الفنية المرتبطة بالتطوير الفني في بقية الولايات المتمثلة في إقامة دورات تدريبية لطريقة عمل الاستزراع أو تعمير الولايات في قطاع الأسماك وقال إن هناك إدارة تسمى (إدارة الدراسات والبحوث) تقوم بإجراء الدراسات لمزيد من التجويد وتحسين الأصناف، أما إدارة الأسماك فمهمتها تنفيذ ما يقوم بإنتاجه مركز البحوث.
ذكر مبارك أن معظم ولايات دارفور وكردفان بها كثير من الحفائر و(التُّرَد) ويشرح أن التردة منطقة منخفضة تتجمع بها المياه في فترة الخريف، يقول مبارك إنهم قاموا باستغلالها بزرع نوعي البلطي والقرموط خاصة وأن تلك الولايات لا توجد فيها مصادر طبيعية للأسماك ما ينتج عنه نقص اليود الذي يتسبب في الإصابة بالغدة الدرقية لأهالي تلك المناطق.
فشل الهرمنة
كشف مبارك لـ(اليوم التالي) أن الولايات تعاني من ضعف الإمكانيات بالرغم من وجود النيل كمورد طبيعي، وأضاف: لذلك نقوم بالتوجه كفريق لتطويرها وكثيرا ما نجد تعاونا من الولايات التي نقصدها لكن الولاية وحدها لا تستطيع أن تعمل.
وعدد مبارك المشاكل التي تواجه قطاع الاستزاع وأولاها أن الولايات تنظر لعملية الاستزراع كمصدر توريد ولا تهتم بتطويرها، بالإضافة إلى عدم وجود مفرخات للقرموط. وقال إن البلطي يُعامل بهرمون لتتم عملية إنتاج الذكور التي تنمو بسرعة، وشرح: “هناك ثلاثة أنظمة لعملية الهرمنة، النظام الأول هو توليدها في (الهابات) وأوضح أن الهابة شبكة بها عين ضيقة بارتفاع متر يتم وضعها في المياه كما أن هناك نظاما ثانيا وهو وضع البيض المفقوس داخل الأحواض الأسمنتية وهناك نظام ثالث هو تحضين البيض.
نظام الغذاء والتحضين
وأفاد مبارك أن كل هذه الأحوال تتم لها عملية التلقيح الخارجي ليتم بعدها تحديد الذكر والأنثى ومن ثم وضعها لأي واحد من تلك الأنظمة التي ذكرت آنفا.
يواصل مبارك حديثه ويقول: كل نظام لديه غذاء محدد فمثلا عند وضع البيضة المفقوسة في (الهابة) يكون الغذاء طبيعيا ولا تأكل العلف الذي يكون فيه الهرمون مما يرجح بنسبة كبيرة أن تكون السمكة ذكرا.
أما إذا وضعت البيضة المفقوسة في حوض الأسمنت فهنا يقل الغذاء الطبيعي وتعتمد على أكل الهرمون فتكون أنثى، إلا أن كل العالم يعمل على عملية تحضين البيض.
وأكد أن أغلب المشاريع في عملية الاستزراع السمكي (خاصة) ولكن هناك أخرى حكومية.
أخطاء المستثمرين
اعتبر مبارك أن أخطاء المستثمرين في مجال الاستزراع تتمثل في عدم الاستعانة بالفنيين أو المشرفين ووصف ذلك بأنه أس المشاكل وقال إن كثيرا منهم يأخذون معلوماتهم من السوق ويستندون عليها في التنفيذ، أو يأخذون المعلومة من الإنترنت. وأكد مبارك أن المعلومات التي يأخذونها لا تكون كافية للاعتماد عليها سواء في نوعية ومقاسات الأحواض أو مصدر الزريعة وكميتها وكمية المياه والأوكسجين ومدة تغيير المياه والأمونيا وغيرها من أساسيات عملية الاستزراع ووصف المستثمرين في المجال بـ(السمعيين). وأشار إلى وقوع كثير من المنتجين في مشكلة (الزريعة المتقزمة) ويقصد بها الأسماك الصغيرة التي يحدث لها تمحور في حجم محدد ولا يمكن أن تحدث لها زيادة مهما كانت تغذيتها وهذه الحالة تكون في سمك القرموط.
وأكد أن المنتجين يواجهون غلاء العلف سواء العلف الطافي أو غيره رغم وجود مصنعين في الكدرو والسليت لإنتاج العلف الطافي للبلطي، وذكر أن مكونات العلف تحتوي على (البروتين النباتي والحيواني)، وقال: البروتين الحيواني يتمثل في بودرة السمك أو بودرة العظام للدواجن، أما البروتين النباتي فيتمثل في أمباز الفول أو أمباز السمسم وهناك مكونات ردة الأمباز والذرة، إضافة لمكملات الأنتي أسيد والفيتامين. وكشف عن عدم وجود خطة استراتيجية مقارنة بالتجربة وبدايتها.
“9000” طن أسماك
وطالب مبارك بقيام هيئة منفصلة للثروة السمكية بدلا من تبعيتها لوزارة الثروة الحيوانية والسمكية، حيث أن إدارة الأسماك في بعض الولايات تتبع لوزارة الزراعة وبولايات أخرى لوزارة الثروة الحيوانية وقال إن جملة إنتاج الاستزراع السمكي العام الماضي بلغت (9) آلاف طن في كل الولايات التي بها استزراع سمكي.
مطالبة بتخصيص ميزانية
واقترح مبارك تخصيص ميزانية لتطوير قطاع الأسماك الذي يحتاج مزيدا من التدريب خاصة في مجال التكنولوجيا أسوة ببلدان شرق آسيا (تايلاند والصين وبنغلاديش) وأن تقوم الدولة بتدريب بعض المنتجين ليستفيدوا من تجارب وخبرات البلدان الأخرى. وأكد مبارك عدم وجود فرق في طعم الأسماك النيلية والمنتجة بالاستزراع السمكي.
وقال إن الأخير ليست له رائحة نفاذة وأثقل حجما من سمك النيل نسبة للتغذية المكثفة التي يخضع لها. وأشار إلى أن فشل مشاريع الاستزراع يرجع لعدم الاهتمام بالجوانب الفنية وقال إن هناك استثمارات أجنبية في المجال بشراكة مع سودانيين.
نواصل …..

شاهد أيضاً

(فاشر السلطان) يخطط والي شمال دارفور للحفاظ على الأمن كأولوية، إلى جانب دعم الخدمات ورتق النسيج الاجتماعي، لكنه يُواجَه بتأثيرات ما خلفته الحرب في النفوس

الخرطوم – رندا عبد الله عن ولاية شمال دارفور يتحدث واليها في جملة من القضايا …