الإثنين , 20 نوفمبر 2017
الرئيسية / حقيبة الأخبار / “أشواق وأشواك” قمة دول القرن الأفريقي المقترحة بالخرطوم لإنشاء تكتل اقتصادي بين دول المنطقة، هل تنجح في بلورة قرن جديد بأزمات قديمة؟

“أشواق وأشواك” قمة دول القرن الأفريقي المقترحة بالخرطوم لإنشاء تكتل اقتصادي بين دول المنطقة، هل تنجح في بلورة قرن جديد بأزمات قديمة؟

الخرطوم: محمود الدنعو
في ختام زيارته إلى الخرطوم أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي رسميا عن قمة لدول القرن الأفريقي مزمع انعقادها بالخرطوم في أكتوبر المقبل لبناء تكامل اقتصادي بين دول المنطقة، وكان يقف إلى جواره في المؤتمر الصحفي الرئيس عمر البشير الذي ـ بالطبع ـ يساند هذا المقترح الذي أطلقه ديسالين ابتداءً في محاضرة ألقاها قبل يوم من الإعلان الرسمي عن القمة بقاعة الصداقة بالخرطوم، بعنوان (فرص قيام مجموعة اقتصادية في القرن الأفريقي)، والتي نظمها مركز الدراسات الاستراتيجية بالخرطوم، وأكد خلالها أن البلدين – أي إثيوبيا والسودان – يتمتعان بإمكانيات هائلة من المياه والأراضي الزراعية والمعادن والثروة الحيوانية وغيرها، مما يجعلهما مؤهلين للإسهام بصورة فاعلة في تحقيق قوة اقتصادية، وقال إن السودان وإثيوبيا تربطهما علاقات تاريخية ومصالح مشتركة وتاريخ سياسي، إذن عدّد ديسالين ما يؤكد تفاؤله بمستقبل العلاقات السودانية الإثيوبية، ولكن الطرح الذي قدمه سواء في المحاضرة أو المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس البشير يبدو متفائلا أكثر من الواقعية السياسية، فمهمة نسج أي نوع من الوحدة بين مكونات منطقة القرن الأفريقي المضطربة تصبح ضربا من ضروب التفاؤل الحالم وهو أمر نادر التحقق في عالم السياسة الذي ينزع نحو البراغماتية، التكتل الاقتصادي المنشود في منطقة القرن الأفريقي توطئة للتكامل السياسي لاحقا، وهو ما يفترض أن تبلوره قمة الخرطوم المزمعة في أكتوبر، ليس بالتكتل المستحيل، ولكنه في الوقت نفسه مع توفر الأسباب والموارد لإقامة هكذا تكتل تظل التحديات أكبر والأزمات التي يكابدها كل بلد على حدة سواء أكانت سياسية أو أمنية أو اقتصادية لا تبشر بإمكانية تحويل حلم التكتل الاقتصادي والاندماج السياسي إلى واقع معاش ذي منفعة متبادلة بين دول القرن الأفريقي على المدى المنظور من التاريخ فضلا عن الصراعات والخلافات البينية بين دول التكتل والتقاطعات الدولية والإقليمية في منطقة القرن الأفريقي التي بات ساحة تتجلي فيها صراعات النفوذ العالمي، فهي المنطقة الوحيدة التي تسعى كل القوة العالمية الكبرى إلى إيجاد قواعد عسكرية لها تحت رايات الحرب على الإرهاب من جهة وحماية خطوط التجارة العالمية من جهة أخرى.
هذه الأهمية الاستراتيجية للمنطقة جعلتها عرضة للتجاذبات الإقليمية والدولية، واللافت أن الزعيمين السوداني والإثيوبي وهما يعلنان عن قمة دول القرن الأفريقي في الخرطوم أكتوبر المقبل توطئة لإعلان التكتل الجديد، في ذات المؤتمر الصحفي وجدا نفسيهما أمام سؤال الأزمة الخليجية الراهنة، وبما أن موقف السودان وإثيوبيا من الأزمة الخليجية واضح وهو الحياد إلا أن منطقة القرن الأفريقي أول من تأثر بتداعيات الأزمة الخليجية.
في الرابع عشر من يونيو الماضي سحبت الحكومة القطرية قواتها المنتشرة بين حدود أريتريا وجيبوتي؛ ولم يكن القرار مفاجئا بعد أن انضمت جيبوتي إلى دعم دول الحصار على قطر، وقبل هذا التاريخ كانت القوات القطرية تتمركز في جزر وجبال ديميرا منذ العام 2010، عندما طلبت الجارتان من قطر التوسط لحل الخلاف الحدودي بينهما، وبعد الأزمة الخليجية وانسحاب القوات القطرية ورد في الأنباء أن الصين قدمت عرضا للوساطة بين البلدين الذي يدعي كل منهما ملكيته لجبال وجزر دوميا المتنازع حولها، وقال السفير الصيني لدى الاتحاد الأفريقي كوانغ ويلين في مقر الاتحاد بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا إن بلاده على استعداد لإرسال قوات للحدود بين الدولتين وجاهزة للوساطة إن طلب منها ذلك. ورغم المسعى الصيني إلا أن أريتريا لا تزال تتمسك بقطر كوسيط وحيد لحل الأزمة الحدودية مع جيبوتي التي تقدمت بدورها بطلب للاتحاد الأفريقي بنشر مراقبين حول الحدود مع جارتها أريتريا، وقال وزير الخارجية الجيبوتي محمد علي يوسف للصحافيين على هامش قمة الاتحاد الأفريقي الأخيرة بأديس أبابا: “القوات القطرية انسحبت بسرعة وتركتنا في الوضع القائم حاليا وهو ليس في مصلحة البلدين، واقترحنا للاتحاد الأفريقي أن يتولى عملية تسوية هذا النزاع بيننا ويملأ الفراغ الذي تركه انسحاب القوات القطرية ونحن نحتاج إلى تحرك سريع من الاتحاد الأفريقي”. واستجابة لمطلب جيبوتي، طلب الاتحاد الأفريقي من البلدين ضبط النفس وقال إنه سيرسل بعثة لتقصي الحقائق إلى المنطقة المتنازع حولها، برغم أن جيبوتي ادعت أن جارتها أريتريا استولت على المنطقة ولكن بحسب دبلوماسيين في مقر الاتحاد الأفريقي تحدثوا إلى موقع (فينتروسافريكا دوت كووم) فإن أريتريا لم ترد لا على مطالب الاتحاد الأفريقي ولا اتهامات جيبوتي.
وترمي إثيوبيا ـ أكبر دول القرن الأفريقي وأكثرها نفوذا ـ بثقلها خلف مقترح إرسال بعثة لتقصي الحقائق، وحث الأمم المتحدة على دعم هذه المبادرة، ودعا وزير الخارجية الإثيوبي ورقنه جبيو، البلدين إلى الابتعاد عن تصعيد التوتر وحل النزاع عبر الوسائل السلمية.
إذن، أول التحديات أمام التكتل المقترح لدول القرن الأفريقي هو إرساء دعائم الاستقرار في المنطقة التي باتت ـ كما أشرنا ـ مسرحا لصراعات النفوذ الإقليمية والدولية، حيث عززت الصين وجودها العسكري في منطقة القرن الأفريقي بعد قيامها بتحريك مزيد من وحدات البحرية الحربية الصينية إلى مياه خليج، عدن وهو ما تم على دفعات اعتبارا من مطلع يوليو الماضي.
وذكرت دورية (جينز) المتخصصة في شؤون الدفاع والعلاقات الدولية، أن الصين باتت تملك مركزا للخدمات اللوجيستية الحربية في جيبوتي وهو المركز الذي تعتبره الدوائر الغربية (أول قاعدة عسكرية) للصين خارج الأراضي الصينية، بينما تؤكد السلطات الصينية أنه مركز لعمليات الإغاثة ومكافحة القرصنة في أفريقيا وغرب آسيا. وتمتلك الولايات المتحدة واليابان وفرنسا ودول أخرى عديدة وجودا عسكريا بأشكال ومسميات متعددة في جيبوتي ذات الموقع الاستراتيجي على مدخل البحر الأحمر الجنوبي والمحيط الهندي. ولأن المركز اللوجيستي الصيني الجديد في جيبوتي (القاعدة الصينية) يقع على مسافة قريبة من قاعدة (كامب لومينير) الأمريكية، يبدي البنتاجون انزعاجه من هذا الشكل الجديد للوجود الصيني الجديد في جيبوتي.
ليست تحديات النفوذ الإقليمي والدولي وحدها تجعل من الصعب تحقيق حلم التكتل الاقتصادي والاندماج السياسي، ولكن الأزمات المتلاحقة التي تعاني منها دول المنطقة خصوصا في الصومال التي بدأت تعود تدريجيا إلى الاستقرار السياسي بعد الانتخبات الأخيرة، ولكن استمرار نشاط حركة الشباب المتطرفة يهدد الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي.
التكتل المقترح لدول القرن الأفريقي يتقاطع مع تكتلات إقليمية عديدة منها الإيقاد ومجموعة شرق أفريقيا والكوميسا، وستحدد العلاقة التكاملية مع هذه الكيانات مصير نجاح الدعوة إلى هذا التكتل الجديد الذي يبشر بقرن أفريقي جديد ـ ولكن مع الأسف ـ بأزمات قديمة.
أشواق الوحدة والاندماج ربما هي التي دفعت السودان وإثيوبيا لإعلان الخطوات العملية لقيام التكتل الاقتصادي المنشود بين دول القرن الأفريقي، ولكن أشواك التحديات الإقليمة والدولية قد تجعل من الصعب عبور الحلم إلى واقع.

شاهد أيضاً

السيسي: مياه النيل حياة أو موت لمصر

القاهرة – وكالات وصف عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري، أمس (السبت)، المساس بحصة مصر من …