الأحد , 19 نوفمبر 2017
الرئيسية / قضايا ساخنة / “ترويض النفوس” في مناسبة ودية، تقابل فريقان من “أبو كارنكا” و”الضعين” على الميدان. كيف أظهرت مباراة لكرة القدم الرغبة في التسامح والمعافاة وطي تاريخ طويل من الاقتتال القبلي؟! إنها إرادة السلام التي ألهمت الأهالي كشف ألاعيب “الساسة”

“ترويض النفوس” في مناسبة ودية، تقابل فريقان من “أبو كارنكا” و”الضعين” على الميدان. كيف أظهرت مباراة لكرة القدم الرغبة في التسامح والمعافاة وطي تاريخ طويل من الاقتتال القبلي؟! إنها إرادة السلام التي ألهمت الأهالي كشف ألاعيب “الساسة”

أبو كارنكا ـ عديلة ـ آدم محمد أحمد
أن يتقبل فريق رياضي من الضعين هزيمة أمام فريق من أبو كارنكا بثلاثة أهداف مقابل واحد، بدا للبعض كأنه حدث أهم من المباراة نفسها، فالمنافسة في السابق كانت تجري في ساحات الوغى بأدوات حادة ونتيجتها عشرات الأرواح البريئة والشابة، وأن الهزيمة هناك تختلف عن هذه.. ولكن إن استمعتم إلى حكاوي المأساة التي يرويها أهالي ولاية شرق دارفور عن الحرب وتبعاتها في السابق، فلن تصدقوا الحديث عن قيام مباراة ودية بين أبوكارنكا والضعين العدوين اللدودين منذ ما يزيد عن خمسين عاما ماضية، أو بين عديلة وأبو جابرة، لكنها ثمرات الاستقرار الآن حسب ما يؤكد الناس هناك..
العم موسى ضو البيت رغم أن الدهر وضع بصمته عليه وتجاوزت سنواته السبعين إلا أنه بدا قادرا على العطاء فهو رجل عميق التأثير وسط محيطه فمنذ العام 57 لم يغادر ضو البيت منطقته (عديلة) يقول الرجل: “أول معركة لنا مع إخواننا الرزيقات كانت في العام 66 وتجددت في 2005 ثم في العام الماضي”، لم يعد ضو البيت بذاكرته إلى تلك الأحداث تفاخرا ولكنه يعيدها نادما، أضاف وهو يسدد نظرات قاسية: “يا ولدي والله كرهنا الدواس وكنا عايشين في جمرة والحرب هي فهم البليد”، يواصل بأسى: “الآن في عديلة وحدها توجد حوالي 600 أرملة ولكل واحدة منهن عدد من الأبناء والأطفال فمن المسؤول عن كل ذلك؟”، قال ضو البيت تعبيرا عن الأوضاع: “الحمد لله نساء المعاليا والرزيقات الآن يعملن في مدق عيش واحد”.
(1)
الطريق إلى المحليات الشرقية كان من المستحيلات في الأيام العجاف، فالقطيعة بين شقي الولاية وصلت ذروتها، رفضت شرق الولاية حمل أي متعلقات تحمل عبارة (شرق دارفور) حتى في الوثائق الثبوتية، يقول رجل ستيني وهو يهم بإغلاق متجره في سوق أبو كارنكا استعدادا لصلاة الجمعة: “ما نعيشه الآن يمنعنا من العودة إلى مربع الاحتراب”، يعبر الرجل مزهوا بحالته الأمنية والاستقرار الاجتماعي، ويضيف: “الآن نحن نشيد في سوقنا الجديد بالمواد الثابتة وهذا دليل على الطمأنينة لأنه في الماضي لا أحد لديه الرغبة في التعمير لأننا نقف على شفا حفرة نار الحرب”، كان واضحا أن قيمة الحياة مفقودة بالنسبة لهؤلاء لأنهم يمسون ويصبحون على أصوات الرصاص ولذلك لا أحد منهم يتمسك بالحياة ولا يخشون الموت، يقول معتمد عديلة بريمة موسى، إن كسر حاجز القطيعة كان مهما عبر التواصل في شكل برامج ثقافية واجتماعية.
(2)
أبو كارنكا التي تبعد عن الضعين حوالي (43) كيلومترا دفعت ثمنا غاليا وهي تواجه مكر الأطراف المتقاتلة، فقد مثلت المنطقة الخندق الدائم ونقطة ارتكاز مقاتلي الطرفين، فالمدينة التي تغرق في الرمال الكثيفة وتجلس بقلق تحت أشجار النيم الظليلة، تتوزع بيوتها المتواضعة على مساحات متباعدة، تضم حوالي (232) ألف نسمة، بها ثلاث وحدات إدارية (جار السيد، بخيت وأم راكوبة)، وتحتضن المحلية حقل سفيان النفطي الذي يقع على بعد (25) كيلومترا من وسط المدينة وهذا أكسب المنطقة أهمية ذات طابع اقتصادي.. عثمان قسم معتمد أبو كارنكا وهو رجل عاصر كل سنوات القتال هناك وظل معتمدا لدورتين، يوضح سلبيات الحرب ويقول: “معدلات الجريمة من نهب وسرقة وقتل كانت عالية أيام كانت الحرب في ذروتها بين الأشقاء من الطرفين، فضلا عن ازدياد انتشار الشائعات والاستقطاب وانحسار الرقعة الزراعية، والتدهور في وسائل النقل والحركة مما ساهم في انقطاع عاصمة الولاية عن المركز، إضافة زيادة أعداد التلاميذ المتسربين من المدارس، واتساع رقعة البطالة، وانعدام كامل لأي مشروع تنموي”.
(3)
على امتداد الطريق الرابط بين الضعين ومحليتي أبو كارنكا وعديلة ينتشر المزارعون منهمكين في عمليات الحصاد، فشرق دارفور معروفة بإنتاجها العالي للفول السوداني، هذا العام كان المطر فوق المعدل الطبيعي وغير مسبوق، نعمة الله كانت كبيرة، مما جعل الناس ينزعون إلى تفكير عقدي بأن تلك هي مكافأة الرب عندما قرر الناس إيقاف إراقة الدماء.
يقول المعتمد عثمان قسم، إن التدابير الأمنية التي انتهجتها حكومة الوالي أنس من وضع قوات عازلة وتكوين آلية مشتركة لرد المظالم مما قلل من المشكلات وساهم بصورة كبيرة في تعزيز الأمن وتمتين التواصل، ومع كل تلك الابتلاءات إلا أن عثمان يؤكد أن محليته هي الأولى في التعليم على مستوى الولاية وفي مجال البنيات الأساسية وإن نسبة المواد الثابتة بلغت (192 %)، منوها إلى أن المحلية تخطط لتنفيذ خطة (زيرو فصول قشية)، وإلى أنه تبقت (3) مدارس فقط مشيدة بالقش وتم طرح العطاء لمدرستين، يضاف إلى ذلك ـ بحسب المعتمد ـ أن بالمحلية ستة مراكز صحية، ويجري العمل على تشييد مستشفى أبو كارنكا بتكلفة (12) مليون جنيه، فضلا عن حفر (16) بئرا للمياه بالتعاون مع شركات النفط العاملة في المنطقة.
(4)
الخراب الناتج من الحرب تبدو ملامحه ظاهرة للعيان لكل من يسلك الطريق إلى المحليات الشرقية، قرى كاملة أصبحت من الأمس بعد أن هجرها أهلها خوفا من الهلاك، فقرى (المنجر، دار السلام والقدامية) أصبحت أطلالا تحكي عن وجود حياة هنا في السابق وإن كان بعض المواطنين بدأوا يعودون الآن إلى ديارهم بعد الشعور بالأمن، لم تنته مساوئ الحرب عند ذلك ولكنها خلفت أيضا ضحايا، ففي أبو كارنكا وحدها بحسب المعتمد بلغ عدد اليتامي (5704) يتيما.
(جمع السلاح) كان كلمة السر الأساسية في حالة الاستقرار التي تشهدها الولاية، فالعملية أثبتت أن دارفور بلا سلاح لا تشكل مطلقا أي تهديد للأمن، اختفت مظاهر حمل السلاح وأصبح الشخص يقطع الفيافي ويجوب (القيزان) الشاسعة دون أي تهديد أو خوف على نفسه.
يقول معتمد عديلة بريمة موسى إن فترة الثلاثة أو الأربع أشهر الماضية خلت تماما من أي بلاغات في جرائم كبيرة وانحصرت في بلاغات عادية تحدث في أي مجتمع، يؤكد المعتمد أن استجابة المواطن لقرار جمع السلاح كانت كبيرة، فضلا عن ذلك كان للإدارة الأهلية السابقة دور سالب في إدارة دفة الحرب، وبشهادة مواطنين ما كان للاستقرار أن يحدث لولا أن ألقت الحكومة القبض على كل رجالات الإدارة الأهلية وأرسلتهم إلى سجون بورتسودان والشرق، يقول المعتمد بريمة إن “مشكلة رجال الإدارة أنهم يستغلون من قبل سياسيين يبحثون عن السلطة لتنفيذ أجندة معني بها الساسة وحدهم”.

شاهد أيضاً

“تركة ثقيلة” ملايين الجنيهات تصرف سنوياً على الدورة المدرسية دون تحقيق نتائج على أرض الواقع، أليس الوقت مناسباً لوقف هذا الهدر المالي المستمر؟

الخرطوم- محمد عبد الباقي لن نذهب بعيداً في غور السنوات الغابرة للبحث في أضابيرها عن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *