الإثنين , 22 يناير 2018
الرئيسية / الأعمدة / ضد التيار / الموت قضاء و”سفر”!

الموت قضاء و”سفر”!

* باتت أخبار الحوادث المرورية وموت العشرات فيها غير مئات الجرحى والمصابين تتكرر كثيراً ورغم أنها ـ والحمد لله ـ لا تزال تحجز مساحتها بالصفحة الأولى ولم تصل حد التهميش الذي يعصف بها للصفحات الداخلية، إلا أن حالة التأثر دائماً ما تنتهي بانتهاء مراسم النشر..!
* تتغير الأرقام وتختلف حوادث المرور وتتباين الطرق لتبقى الفجيعة واحدة.. تساؤلات عديدة تبحث استفهاماتها عن إجابات عاجلة.. إلى متى سيتوالى حصد الأرواح تباعاً على الأسفلت؟؟.. هل كل ما نملكه تدوين بلاغ في مواجهة (التخطي الخطأ) ولا أحد بوسعه (تخطي) هذه العقبة أو تصحيح (الخطأ)؟؟.. ما ذنب النساء اللائي ترملن، والأطفال الذين تيتموا، والأمهات اللاتي فُجِعن برحيل فلذات اكبادهن؟؟.. هل المشكلة في الطرقات الضيقة المظلمة المليئة بالحفر والمطبات والأسفلت المقطع والمنعرجات أم أن من يتم منحهم (رخص قيادة) لا يجيدون شيئاً سوى التهور والاستهتار بأرواح الناس؟؟.. ألا تمثل هذه الحوادث الشنيعة المتكررة في مختلف طرق المرور السريع، والأعداد الكبيرة للضحايا مأساة حقيقية تستدعي الوقوف عندها ؟؟.. كيف ستكون ردة فعل الناس والرأي العام تحديداً لو مات ربع هذا العدد من الضحايا في عمليات جراحية أو نتيجة انهيار مبانٍ؟؟ كيف كانت ستكون ردة فعل الشارع الصحافي؟؟.. لست ميالاً كما قلت من قبل لفكرة المقارنة بين مآسي الأخطاء فكل تقصير ينبغي أن يجد (مواجهة ودعوة للمحاسبة)، ولكني أندهش للصمت هنا و(حالة الهياج) هناك مع أن المحصلة واحدة وهي فقداننا لأرواح عزيزة، والمبادئ لا تتجزأ، اللهم إلا إذا كان الرأي العام يعتبر الأخطاء التي تحدث في بعض المرافق (قتلا عمدا) بينما حوادث الموت إهمالاً على الطرقات مجرد (قضاء وقدر)!
* حصيلة ضحايا الشوارع تزداد يوماً تلو الآخر، ولا أحد يتحمل مسؤولية (الموت الجماعي)، أو يفتح تحقيقاً لمعرفة الأسباب الكاملة التي أدت إلى حدوث تلك المآسي المتكررة ليتفرق دم الضحايا بين جهات عدة تتقن جميعها لعبة الصمت، مع أن الصمت لم يعد ممكناً!
* يعتبر شارع (مدني الخرطوم) الذي يزيد طوله عن 180 كيلومترا من أكثر الطرق التي حصدت الأرواح؛ وتناثرت الجثث حوله ليتغير لون الاسفلت للأحمر بينما معدلات الضحايا تزيد يوماً تلو الاخر.. نعم، المسؤولية متكاملة وعناصر المأساة متعددة؛ ولكن سوء الطريق المظلم غير المطابق للمواصفات الفنية والرداءة التي تميزه تمثل بلا أدنى شك السبب الأول في مفارقة آلاف الأرواح للحياة في الطريق الذي تم تشييده عن طريق المعونة الأمريكية قبل أكثر من خمسين عاماً تساقطت فيها طبقاته كأوراق التوت فاستحق لقب (شارع الموت)..!
* يحسب لوالي ولاية الجزيرة د. محمد طاهر أيلا أنه وضع ملف (شارع الموت) في صدر أولوياته ليضع حداً لمصائب متتالية؛ فالطريق الذي تم الإعلان عن بدء العمل فيه في ختام مهرجان السياحة والتسوق بواسطة النائب الأول الفريق أول ركن بكري حسن صالح يعتبر (مشروع حلم) انتظره إنسان الجزيرة طويلاً؛ لذا لم تكن مستغربة وقتها مداعبة النائب الأول للحشود التي سدت جنبات الاستاد وقوله إن الموت سيفارق أسفلت طريق مدني ليصبح بعد طول معاناة (شارع حياة).
* ها هي حكومة ولاية الجزيرة تفي بوعدها في زمن وجيز، بافتتاحها غدا المرحلة الأولى من شارع مدني الخرطوم المزدوج على يد رئيس الجمهورية مع تدشين المرحلة الثانية من الطريق الذي التهم عشرات الأرواح حتى بات السير عليه أشبه بالشروع في الانتحار.
* أجمل ما في الطريق الجديد أنه سينهي مذبحة (المسار الواحد)، ونأمل أن تتحول جميع طرق المرور السريع إلي (مسارين) فبعد شارع مدني هناك (طريق التحدي) الذي خرج للوجود متأخراً ولكنه (فات الكبار والقدرو) في حصد أرواح الأبرياء و(الجرتقة بالدماء) ..!
نفس أخير
* إن كان الموت قضاء وقدرا؛ فإن رداءة الطرق تجعله قضاء وقدرا و(سفرا)!

شاهد أيضاً

بيع الذمم وضياع القيم!

* وكلما خلخلت أوتاد الشارع جريمة شنيعة اهتزت لها أرجاء البلاد كمقتل زوجة رجل الأعمال …