السبت , 21 أبريل 2018
الرئيسية / الأعمدة / ضد التيار / حسم التعدي ومواصلة التحدي!

حسم التعدي ومواصلة التحدي!

* لم تفسد سهولة عبور الجسر المؤدي لها متعة ذكریات عناء المعدیة؛ ورهق انتظار (البنطون) وتغییر مرساه أسبوعاً تلو الآخر طبقاً لارتفاع مناسیب المیاه قبل سنوات طوال.. العربة تنهب طریقاً حبیباً للنفس؛ وها هي مدرسة الشیخ لطفي الثانویة التي ترسم عظمة وسماحة مجتمع تلك المدینة الاستثناء تلوح في الأفق.. مدرسة لم یكتف أهلها بتسلیمها للأشقاء الجنوبیین في منتصف ثمانینیات القرن المنصرم لینالوا حظهم من العلم فیها فحسب؛ بل خرجت المدینة یومها عن بكرة أبیها تستقبل مئات الطلاب الجنوبیین وأساتذتهم الفارین من جحیم الحرب لتحتضنهم بحمیمیة الأشقاء؛ وفهم المتعلمین؛ وكرم النبلاء.. إنها رفاعة منبع الطیبة المشبعة بالوعي؛ ومسقط رأس العلم الذي عندما أراد أن يؤكد علو كعبه أنجب للناس مدینة.
* اختلف مجتمع رفاعة عن غیره؛ وتقدم علی الجمیع قبل أكثر من مئة عام، وقدم نموذجاً سابقاً لزمانه عندما أسس الشیخ بابكر بدري أول مدرسة لتعلیم البنات في السودان؛ ومدینة بهذا التاریخ والرمزیة نقول بعیداً عن انتمائنا لها یجب أن تظل منارة ولا یعقل أبداً أن نرد لها كرم تبدیدها لظلمات الجهل في بلادنا بالتهمیش والجحود والنسیان وإشهار سیوف النكران..!
* قلنا قبل تسعة أشهر وعبر هذه المساحة، إنه من العجائب والمفارقات في بلادنا أن التمیز محارب؛ والوعي غیر مرحب به؛ والتعلیم بدلاً من أن یدفعك لتقدم الصفوف قد یجرك للخلف عشرات السنین؛ فالحكومات لا تحب المدن الواعیة؛ والمسؤولون یستفزهم نقاش المثقفین وتفكيك الشعارات والمحاصرة والمحاسبة علی الوعود؛ وتجد معظمهم یمیل لبقاع متی ما دخلها كان وجوده فیه منزهاً عن كل حوار؛ فهو هناك المنقذ والبركة والشیخ والكل في حضرته (درویش ومرید وحوار)..!
* الانتماء لمسقط الرأس يجعلنا لا نشعر بنقاء الهواء إلا عندما نزور رفاعة.. كل شارع هناك لنا معه قصة منذ أیام الطفولة الأولی وحتی سنوات الصبا.. مدینة فضلها العلمي امتد لكل أهل السودان؛ كما أنها أرضعت أبناءها من حبر المطابع ورفضت فطامتهم حتی عندما غادروها لتحصیل مزید من العلوم أو لشق طریقهم العملي؛ وظلت طاغیة في دواخلهم بأدبها وقیمها وتأثیرها فسكنتهم في غربتهم بكل تفاصیلها.
* كان الرئيس المشير عمر البشير في زيارته لولاية الجزيرة ذات الرسائل المتعددة، يؤكد على أن التفاف أهل الولاية حول د.محمد طاهر أيلا يمثل استفتاءً شعبيا وانحيازا تاما للتنمية، فليس بينهم وبين الرجل بُعد قبلي أو عشائري أو جغرافي أو صلة رحم ودم، ويستدل بأن (إنسان الجزيرة) بصورة عامة واضح ولا يعرف النفاق إليه طريقا، ولعمري أن رفاعة تمثل أفضل مثال للوضوح داخل الجزيرة نفسها، فهي مدينة عبر التاريخ الطويل لم یعرف أهلها الخروج للاحتفاء بمسؤول من باب النفاق السیاسي؛ أو بحث عن مصالح، ومن خرجوا لتكريم أيلا في فبراير من هذا العام أو الذين تسابقوا ظهر أمس الأول لحضور افتتاح استاد الشباب، جاءوا طوعاً لیقولوا كلمتهم هناك، فالصورة مختلفة عن كل ما ظللنا نشاهده بمدینة العلم منذ أن صافحت أعیننا النور، فالناس هناك رهانهم علی كرامتهم؛ وزادهم عزة أنفسهم؛ لذا فإنهم لم یعرفوا یوماً التعبئة الخرساء والاستنفار الأعمی؛ وكانت ابتساماتهم الساخرة دائماً ما تلقم ضعاف النفوس حجراً، لأن تروس تحركهم لا يدفعها شيء غير القناعة، وتلك هي عظمة مدينة مثل رفاعة..!
* عندما يقول أهل رفاعة لمسؤول أحسنت، فحتماً أنه فعل ما يستحق التحية، وعندما يحدثك أبناء مدينة العلم عن الطرق التي تم رصفها، والعناية المكثفة التي قام الرئيس بافتتاحها، ويعددون لك عشرات الإنجازات، ويقفون عند تشييد استاد الشباب والمساهمة المقدرة في مستشفى أحمد نصر الله للأطفال، فيجب عليك أن تعلم جيداً أنك أمام مسؤول جدير بالتحية، وأيلا يستحق حقا أن ترفع له القبعات، فالرجل كتلة من تحدٍّ وإصرار وعزيمة، لذا من الطبيعي أن ينسف المتاريس ويهزم المثبطين ويعصف بالمؤامرات؛ ويتجاوز العقبات..!
* مساندة رفاعة لأيلا شهادة موثقة من مدينة لا تعرف الرياء، والتحول الذي حدث عند الناس منذ فترة كما قلنا من قبل، يستحق الوقوف عنده، فكل من تدير معهم حوارات هناك؛ وتسألهم عن سر هذا التغیير، تجد القاسم المشترك في إفاداتهم أنهم خرجوا لمناصرة قرار الرئيس الذي أخرس أصحاب المصالح الضيقة، ولزاماً عليهم التصفیق لمحمد طاهر أیلا، لأنه لم یأتِ للولایة لتصدیر الوعود و(طق الحنك) وتخدیر الناس بخطب سیاسیة جوفاء لا تُعبد طریقاً؛ أو تبني مدرسة؛ أو تشید مشفًى؛ أو تنیر عتمة؛ خرجوا بكل ما یملكون من قناعات راسخة لیقولوا إن هذا الرجل أحسن وعلی هذا الدرب یجب أن يسیر؛ ولم ینسوا أن یشدوا علی ید الرئيس وهو يساند الوالي الذي قام بتقليم أظافر المصالح؛ وعرى أصحاب الأجندة الشخصیة؛ وفكك مراكز قوی الفساد والمحسوبية؛ وأعلن الحرب علی كل من یقف في وجه التنمیة مهما كان الحزب الذي ینتمي إلیه؛ وكروت الضغط التي یظن نفسه یمتلكها والثقل الذي یتوهمه..!
* احتفاء رفاعة الشعبي بأیلا یختلف عن غیره، لطبیعة المجتمع هناك وخصوصیة المدینة.. وتفاعل أهل الجزيرة بصورة عامة یجب أن یعني للرحل الكثیر؛ ففيه رد بلیغ علی من أرادوا إیقاف حركة التنمیة؛ وفیه إنصاف حقیقي لا ینتظر مقابلاً و(إن كانت مطالب الرعیة حقاً علی الراعي)..!
* خروج الولاية غير المسبوق عبر مدنها وأريافها في زيارة الرىئيس الأخيرة، هو تصفیق لما تم تقديمه في التعليم والصحة والطرق والثقافة والفنون؛ وبرهان علی أن الإحجام السابق لاحتفالات المسؤولین كان لمواقف حقیقیة لا استعلاء فیه؛ والخروج تأكید علی أن الانحیاز لمن یعمل، فأيلا الذي وجد مساندة رئاسية وشعبية يستحقها رجل مختلف عن غیره، ویكفي أنه إذا جلس فكر؛ وإذا فكر خطط؛ وإذا خطط فعل؛ وإذا فعل تحدثت الأرقام إنابة عنه!.
نفس أخير
* عندما يتم حسم التعدي يتواصل التحدي..!

شاهد أيضاً

اليمني.. “نخلات الشمال اتماصن”..!!

* صافحت حنجرته الندية الآذان عبر أثير (هنا أم درمان) في عام 1963م وهو يصدح …